من فيض بلا شكل إلى نظام يحمل الفيض
البداية: كنت أظن أن النظام يقتل الروح
في أول سنوات مشروعي، كنت أؤمن بشيء لم أقله لأحد بهذا الوضوح: أن النظام يخنق الإبداع. أن الجداول والخطط والهياكل هي لغة ذكورية دخيلة على شيء يفترض أن يبقى حرًا، حدسيًا، متدفقًا.
كنت أعمل كما يأتيني الإلهام. أكتب حين أشعر. أطلق عرضًا حين تهبّ الفكرة. أرد على عميلة في منتصف الليل لأن قلبي “حسّها”. وكنت أسمي هذا: الأنوثة والحدس في العمل.
لفترة، نجح الأمر. لأن الفيض كان حقيقيًا، والصدق كان يصل. لكن تحت السطح، كان هناك تعب لا اسم له. كنت أُنجز أشياء عظيمة… وأنهار بعدها. أُطلق شيئًا مذهلًا… ثم أختفي أسابيع لأتعافى منه. كان مشروعي يتنفس بإيقاع واحد: اندفاع، ثم انهيار.
اللحظة التي كسرت الوهم
جاءت اللحظة، كما تأتي دائمًا، في هيئة سؤال بسيط وجارح: “لماذا كل مرة أبدأ فيها من جديد، وكأن ما قبلها لم يكن؟”
لم يكن نقصًا في الأفكار. كان عندي فيض لا ينتهي منها. المشكلة كانت أن كل فكرة تولد، تُستهلك بكامل طاقتي، ثم تموت معي حين أموت أنا من الإرهاق. لم يكن عندي وعاء يحفظ هذا الفيض ويحوّله إلى شيء يستمر بعد أن تهدأ الموجة العاطفية التي ولّدته.
وهنا فهمت شيئًا غيّر كل شيء: النظام لم يكن أبدًا عدوًا للتدفق. النظام كان العنصر الغائب الذي كان يجعل تدفقي يتبخر بدل أن يُبنى.
الجهاز العصبي، لا الإرادة، هو من كان يقرر
حين بدأت أنظر بعمق أكبر، اكتشفت أن ما كنت أسميه “مزاجًا” أو “طبيعتي الأنثوية” كان في الحقيقة نمط جهاز عصبي معروف: Flight — التنقل الدائم دون تثبيت. أهرب من الالتزام قبل أن يُطلب مني الالتزام. أبدأ مشاريع جديدة لأن البدء يشعرني بالأمان أكثر من الاستمرار.
وفي أوقات أخرى، كان يظهر Freeze: أؤجل إطلاق شيء جاهز تمامًا، لأن جزءًا مني كان يخاف مما سيحدث لو نجح فعلًا.
لم يكن الحل “أن أنضبط أكثر”. الانضباط بالقوة كان يفعّل النمط نفسه من جهة أخرى. الحل كان أعمق: أن أبني أنظمة يشعر جهازي العصبي بالأمان فيها، بدل أنظمة تُفرض على جسدي من الخارج.
كيف بدأ يتشكل التوازن
لم يأتِ النظام الجديد دفعة واحدة. أتى كما يأتي كل نضج حقيقي: طبقة بعد طبقة.
أول طبقة: تعلمت أن أفرّق بين لحظة الفكرة ولحظة التنفيذ. الفكرة تأتي في فيضها الحر، بلا قيد، بلا حكم عليها. لكنها لا تُنفّذ في اللحظة نفسها. تُكتب، تُحفظ، وتُترك حتى تأتي “لحظة الصنع” التي حجزتها لها. هكذا توقف الفيض عن أن يكون شيئًا يُستهلك فورًا، وبدأ يصبح مادة خام أبني منها.
الطبقة الثانية: صنعت روتينا أسبوعيًا واضحًا — ليس جدولًا صارمًا يخنق، بل إيقاعًا يشبه التنفس: وقت للعمق والكتابة، وقت للتنفيذ والعرض، ووقت للفراغ المتعمّد الذي أعيد فيه ملء نفسي. اكتشفت أن الفراغ المجدول ليس كسلًا، بل هو ما يمنع الانهيار الذي كان يأتيني كل مرة سابقًا.
الطبقة الثالثة، والأهم: توقفت عن معاملة النظام كقرار عقلي، وبدأت أعامله كعلاقة أمان أبنيها مع جسدي. كل مرة أشعر فيها برغبة في الهروب أو التجميد، لم أعد أسأل “كيف أجبر نفسي؟”، بل سألت: “ما الذي يجعل هذه الخطوة تبدو تهديدًا لي الآن؟” والجواب كان غالبًا أعمق من الكسل — كان خوفًا من الظهور، أو من مسؤولية النجاح نفسه.
ما تعلمته عن الأنوثة في العمل
أدركت أن الفكرة القائلة إن “الأنوثة تعني الفوضى الخلّاقة” هي فكرة ناقصة. الأنوثة الحقيقية في العمل ليست غياب الشكل، بل قدرة على احتضان الفوضى وتحويلها إلى فيض يتروض بنظام يخدم، دون أن تفقد روحها في الطريق. الأنوثة ليست ضد النظام، هي شريكته. الأنوثة هي التي تعرف أي نظام يخدم حياتها، وأي نظام يخنقها.
ومنذ ذلك الحين، مشروعي لم يعد يتأرجح بين اندفاع وانهيار. أصبح له جسد يحمل روحه: فيض من الأفكار يجد كل مرة طريقه إلى شيء ملموس، محتوى يصل، عرض يُبنى بثبات، وامرأة — أنا — تستمر دون أن تحرق نفسها لتُثبت أنها ملتزمة.
الخلاصة
لم أعد أبني من مكان “إما تدفق، وإما نظام”. أبني الآن من مكان واحد: نظام صار وعاءً أمينًا لكل ما يفيض مني.
وهذا بالضبط ما أؤمن أن كل امرأة تحتاجه لتبني مشروعًا يدوم: ليس أن تختار بين حريتها وبين هيكل يحملها، بل أن تصنع الهيكل الذي يجعل حريتها ممكنة على المدى الطويل.
استجابات