آلية (12): التجنبية

الآلية التجنّبية نمط ذهني وشخصي يحاول فيه الفرد حماية نفسه من القرب العاطفي أو الانفتاح العميق عبر الهروب والابتعاد.

في داخله قناعة راسخة تقول:

“المسافة أمان، والقرب خطر.”

هكذا يُفضل التواصل السطحي على العمق، وتُكبت المشاعر، ويُخلق عالم داخلي من نوع:

“وحيد… لكن آمن.”

في علم النفس تُعرف هذه الحالة باسم الارتباط التجنّبي، وتُشبه ما يُطلق عليه أحيانًا متلازمة الرجل المنعزل.

كيف تتشكّل؟

جذورها غالبًا في الطفولة المبكرة:

  • الطفل الذي يواجه والدين باردين أو عاطفيًا متباعدين، لا يجد استجابة حين يعبّر عن مشاعره.
  • إن طلب الحب، يُقابل بالرفض أو الإهمال.
  • وإن انفتح، قوبل بالسخرية أو الدفع بعيدًا.

في بيئات يسودها العنف أو التلاعب، ترسّخت داخله قناعة:

“القرب يؤذي، المسافة تحمي.”

ومن هنا عاش وحدته العاطفية مبكرًا، معتمدًا فقط على نفسه.

وحين يكبر، يصبح صوته الداخلي:

“إذا اقتربتُ تأذيت… إذن الأفضل أن أبقى وحدي.”

لكن خلف هذا الجدار، هناك جوع عميق للمحبة والتواصل.

الجانب الظلي

  • يُدفن الشوق إلى القرب في أعماق النفس.
  • تُترجم الحاجة الطبيعية إلى تواصل على أنها تبعية وضعف.
  • قيم مثل الصدق، الانفتاح، الثقة والتسليم… تبقى في الظل.
  • حتى اللحظات البسيطة من الدفء والحميمية تُدفع بعيدًا.

قصة نموذجية

بعد أيام جميلة مع شريكته، ينسحب فجأة ويقول:

“أحتاج إلى بعض الوقت وحدي.”

في طفولته، كانت أمه كثيرًا ما تقول له: “لا أستطيع الوثوق بك” وتدفعه بعيدًا.

تعلّم أن يكبت احتياجاته لأن لا أحد لبّاها.

وفي أحد الأيام، سألته امرأة: “القرب يخيفك، أليس كذلك؟”

اختنق حلقه… كأنه يُرى للمرة الأولى.

في تلك اللحظة، بدأت دفاعاته تتصدع.

نحو التعاطف

  • ابتعادك حماك في الماضي… لكنه الآن يعزلك.
  • العلاقة ليست تبعية، بل تبادُل ودعم.
  • أن تحتاج لا يجعلك ضعيفًا، بل إنسانًا.
  • القرب ليس فقدانًا للسيطرة، بل جوهر الارتباط الصحي.

لقد حمتك هذه الآلية من الانكسار والرفض، لكنها اليوم لم تعد تخدمك.

فتح قلبك ببطء هو الطريق لتجربة تواصل حقيقي بدلًا من عزلة متكررة.

خطوات عملية للاندماج

  1. ابدأ باعترافات صغيرة: مثل “أشتاق إليك، لكن يصعب عليّ قول ذلك.”
  2. جرّب القرب التدريجي: نظرة صادقة، لمسة بسيطة، إصغاء بوعي.
  3. دوّن مشاعرك المكبوتة: اكتب قائمة بالاحتياجات التي لم تُعبر عنها من قبل.
  4. ركّز على الجودة لا الكمّ: ابحث عن لحظات قليلة لكن عميقة.
  5. مارس تمرين المسافة المتوازنة: راقب متى تقترب ومتى تنسحب، واسأل نفسك:
    • هل أهرب فعلًا… أم أنني أحتاج لمساحة حقيقية؟
  6. واجه أسئلتك الداخلية:
    • ما الذي يخيفني في القرب؟
    • مما أخشى إن عبّرت عن احتياجاتي؟
    • هل الوحدة أمان… أم مجرد خوف من أن أُترك؟
    • أي صوت طفولي يستيقظ حين أنسحب من تواصل حقيقي؟

الختام

آلية التجنّب ليست عيبًا، بل كانت درعًا وقائيًا في طفولتك.

لكن ما كان وسيلة نجاة قد يتحول اليوم إلى سجن.

التحرر يبدأ من خطوة صغيرة: أن تعترف أنك تحتاج، أن تسمح لقلبك أن يُرى.

فالقرب لا يعني الفقدان… بل أن نلتقي إنسانًا بإنسان.

مقالات ذات صلة

استجابات

اترك رداً على Samah Saifaldeen

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إلغاء الرد

  1. كنت اعاني من هذا في السابق ..وما زلت بعض الشيء .. أعجبت بالخطوات العملية من اليوم سأبدأ بالتطبيق ..ممتنة كتاباتك جداً ملهمة ..محبتي