حين تصير المعرفة حجابًا

 

كل وحدة فينا عندها صديقة، أو هي نفسها، تعرف الكثير، وحياتها ما بتتحرك. قرأت الكتب، سمعت البودكاست، اتصالحت مع طفلتها الداخلية على الورق، وفهمت كل نظرية عن الوعي والصدمة والارتباط. وبعد كل هذا، تقف في نفس المكان.

هذا التناقض مش عيب فيها. هو شي بيصير لأن المعرفة، أي معرفة، ممكن تلعب دورين متناقضين: ممكن تكون باب، وممكن تكون حجاب.

الفرق بينهم دقيق جدًا. الباب بيفتحلك احتمال. الحجاب بيعطيك شعور إنك “عرفتي”، وبهذا الشعور بيقفل عليكِ باب المسؤولية. لما تسمّي شي “تسويف”، بتحسي إنك فهمتي حالك. بس هذا الفهم أحيانًا بيصير عذر  منمق: “أنا هكذا، إنسانة مسوّفة، هذي طبيعتي.” الاسم صار هوية، والهوية صارت سجن مريح.

المشكلة إنه الوعي الواعي، اللي بيحكي بلغة جميلة عن الشفاء والنمو، بيستخدم نفسه أحيانًا ليحط label على وعي أعمق وأقدم منه: الوعي اللاواعي، اللي فيه كل الرسائل اللي انزرعت فيكِ من صغرك. “ما فيكِ”، “هيك البنات”، “مين حكالك إنك تقدري”. هذا الوعي ما بيتفكك بمجرد ما تسميه. بيحتاج مواجهة حقيقية، مش label جديد.

نسف المعتقدات، كمصطلح شائع في عالم التطوير، فيه خطأ عميق: هو بيعامل المعتقد كأنه فكرة عائمة قدامك، تقدري تشيليها متل ما تشيلي كتاب عن الرف، ولكن المعتقد ليس كتابا على الرف. هو جزء من قصة، من قدر، من تجربة عاشها جسمك قبل عقلك. ولا يُنْسَف، بيتفهم، وبعدين يتحوّل.

السؤال الحقيقي مش “ايش بعرف أكثر؟”. السؤال هو: “وين أنا هربانة من القرار، وواخدة معرفة أكثر كذريعة إني ما أتحرك؟”

المعرفة الحقيقية بتوصلك لباب. بس اللي بيفتح الباب هو القرار، مش المعرفة. وهذا الفرق، البسيط بالكلام والصعب بالتطبيق، هو بالضبط المسافة بين إنك تعرفي وإنك تقرري وتجسدي.

مقالات ذات صلة

آلية 19 : التسويف

آلية التسويف: حين تتحول الفكرة المتكررة إلى هوية التسويف ليس كسلًا كما يظنه البعض، ولا ضعف إرادة فقط. هو في جوهره فكرة متكررة تبني وهمًا…

استجابات