آلية (9) : التعلق

آلية (9) : التعلق
آلية التعلّق هي بنية ذهنية وعاطفية تتشكّل حين يطغى الخوف من الهجر أو الوحدة على قلب الإنسان. يعيش الشخص التعلّقي حياته وكأن وجوده مرهون بوجود الآخرين: يحتاج موافقتهم، حبّهم، توجيههم، وحتى حضورهم الجسدي كي يشعر أنه بخير.
هؤلاء الأشخاص يجدون صعوبة في اتخاذ القرارات وحدهم. يضعون احتياجاتهم في المرتبة الثانية، ويتحمّلون ما لا يُحتمل فقط حتى لا يخسروا علاقة. بالنسبة لهم، أن يكونوا “منتمين” أهم من أن يكونوا “أحرارًا”.
كيف تتكوّن آلية التعلّق؟
الجذور غالبًا تعود إلى الطفولة المبكرة:
-
طفل تُرك وحيدًا كثيرًا في الرضاعة أو لم يُشبَع بالحب.
-
بيئة أرسلت رسائل مبطّنة مثل: “إذا تركتني، سأحزن”، فيكبر وهو يخشى أن استقلاله سيؤدي إلى فقدان الحب.
-
حماية مفرطة من الأهل منعت الطفل من اختبار فردانيته، فكبر دون عضلات اتخاذ القرار.
-
فقدان أو هجر مبكّر جعل الحرية تبدو خطرة، بينما التعلّق بدا الأمان الوحيد.
من هنا تتشكّل القناعة العميقة: “لكي أُحب، يجب أن أتوافق… الحرية خطر، أما التعلّق فهو الأمان.”
الجانب الظلّي
حين تسود آلية التعلّق، تُدفن صفات أساسية في الظل:
-
القدرة على الاكتفاء الذاتي.
-
الثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ القرار.
-
الحق في قول “لا” ورسم حدود واضحة.
الخوف من الهجر يطغى على الداخل. فيزداد الشغف بالتمسّك بالآخر، ويُقمع الجزء الحرّ الذي يعرف أنه كامل حتى وهو وحيد. وقد يظهر ازدراء أو غيرة خفيّة تجاه من يعيش بحرية ويمتلك استقلالًا داخليًا.
قصة نموذجية
شخص يدخل في خلاف مع شريكه. رغم شعوره بأنه على حق، يسارع للاعتذار والتنازل فقط حتى لا يخسره.
طفلًا، كان يسمع من أمه: “إذا آذيتني، سأرحل”. فتعلم أن يكبت نفسه ليحافظ على الحب.
لكن في لحظة وعي، يقف أمام المرآة ويقول لنفسه:
“إذا كنت أنا من يبقى، فليذهبوا هم. إن تعلمت كيف أبقى مع نفسي، فلن أكون وحيدًا أبدًا.”
إعادة صياغة الوعي
-
الوحدة ليست نقصًا، بل فرصة للتواصل الداخلي.
-
أنا ذو قيمة من دون أن أعتمد على وجود أحد.
-
أن تُترك لا يعني الموت… ربما يكون بداية ولادة جديدة.
-
ذاتي مصدر الحب الأول، والآخر اختيار لا ضرورة.
آلية التعلّق كانت درعًا لتحميك من الفقد، لكنك اليوم تستطيع أن ترى أنك جدير بالحب من دون أن تتسوّله.
خطوات للاندماج والتحرر
-
مارس التواصل مع العزلة: أغلق الهاتف لفترات، تناول وجبة بمفردك، امشِ وحدك.
-
مارس اتخاذ القرارات الصغيرة دون استشارة أحد (ماذا ترتدي، ماذا تأكل).
-
قوِّ أماكن قولك: “لا أريد هذا”.
-
اعمل على حدود علاقاتك، وضع لنفسك إطارًا واضحًا.
-
أعد قائمة بمصادرك الداخلية: مهاراتك، قيمك، لحظات قوتك.
-
جرّب بناء علاقة مع البقاء وحيدًا، لتكتشف أن العلاقة يمكن أن تستمر حتى دون تواصل دائم.
أسئلة للتأمل
-
عندما أشعر بالوحدة، ما الذي أفتقده حقًا؟
-
هل أعرف الفرق بين التواصل والتعلّق؟
-
ما اللحظات التي شعرت فيها بالفخر بنفسي لأني كنت وحدي؟
-
ماذا يجعلني أخاف من أن أُترك؟ وما أسوأ ما قد يحدث إن تُركت؟
✨ آلية التعلّق قد تكونت لتجعل بقاءك ممكنًا، لكنها لم تُخلق لتقود حياتك. الوعي بها هو أول خطوة نحو الحرية، والحرية هنا تعني أن تكون كاملًا بذاتك، وأن تحب الآخر من مساحة اختيار لا من مساحة خوف.
ممتنة الك ياروح الجميلة على هذه المقالات الجميلة وعميقة وعلى مجهوداتك احبك بزاااف بزاااف ❤❤