آلية (5) التحليلية ماهي وكيف تتحرر منها

قد تلتقي بأشخاص يملكون عقلًا لامعًا، منطقيًا، مرتبًا…
يبحثون عن المعنى، يفسّرون كل شيء، ويطمئنون عندما تتخذ الأمور شكلاً عقلانيًا واضحًا.
ورغم جمال هذه الهبة الذهنية، هناك أحيانًا ما يخفيه هذا اللمعان: تجنّبٌ للمشاعر، وخوف من الغموض، وقلق من الانكشاف.
آلية “التحليل الزائد”: عندما يصبح العقل درعًا بدلًا من جسر
هي بنية ذهنية تتكوّن عند الشخص حين يشعر أن المشاعر ليست مكانًا آمنًا.
فيعتمد على العقل والمنطق كوسيلة لحماية نفسه من التشتّت، من الفوضى العاطفية، من عدم اليقين.
الاعتقاد الخفي:
“إذا فهمت الشيء، لم يعد يشكّل خطرًا. وإذا استطعت أن أشرح ألمي، فلن يؤذيني.”
يتجنّب الغموض، ويُجهِد نفسه لفهم كل شيء.
الحدس، المشاعر، وحتى لحظات البكاء… تخضع لمحاولة تحليل وتفسير.
كيف ولماذا تتكوّن هذه الآلية؟
قد تنشأ هذه البنية منذ الطفولة، في بيئة لم تُحترم فيها المشاعر، أو لم يُفسح فيها المجال للبكاء والتعبير.
ربما سمع الطفل عبارات مثل:
“كُن عاقلاً”، “البكاء لا ينفع”، “شدّ حالك”، “ليش عم تعمل من الحبة قبة؟”
قد يكون الأهل باردين عاطفيًا، أو قد اضطر الطفل أن يكبر بسرعة، ويتحمّل مسؤوليات لا تناسب عمره.
أحيانًا تكون هناك صدمة…
فيتّخذ العقل موقف الحارس: “دعني أفهم كي أنجو، دعني أُحلل كي لا أشعر”.
الجانب المظلم:
- قمع المشاعر، والحدس، والغريزة.
- الخوف من قول: “لا أعلم”، كأن الجهل مؤلم أكثر من الحقيقة.
- التظاهر بالثقة أو المعرفة رغم وجود الارتباك داخليًا.
- تضخّم الحاجة للسيطرة.
- تجنّب أي موقف يستدعي الانفتاح العاطفي العفوي.
مثال واقعي:
أحمد، طالب فلسفة، بارع في الجدل المنطقي.
في علاقته مع شريكته، كان يجد صعوبة بالغة في الاستماع دون تحليل.
كل مرة تعبّر عن مشاعرها، يُقاطعها بسؤال أو تفسير
في طفولته، كان يسمع من والده:
“لا تبكِ مثل البنات، كن رجلًا”،
وكان يُكافأ فقط عندما يكون متفوّقًا و”عقلانيًا”.
في أحد الأيام، وبينما كان يستمع للموسيقى وحده، شعر بشيء يتحرّك بداخله.
دمعت عيناه… دون أن يعرف السبب.
ولأول مرة، لم يُحلّل، لم يهرب، لم يُسكت الدمع.
ترك الشعور يعبر… وخرج منه شخص آخر، أقرب لحقيقته.
في إحدى الجلسات الفردية مع طالبة، كانت تشاركني ضيقًا تشعر به، مشاعر تظهر فجأة، وتربكها بشدة.
وكانت دائمًا تقول لي:
“ليش هذا الشعور؟ من وين جاء؟ إيش سببه؟”
كانت تسأل كل الأسئلة… إلا أن تعيش الشعور نفسه.
وهنا قلت لها جملة كانت مفترق وعي كبير بالنسبة لها:
“أنتِ تهربين من الشعور عبر محاولة فهمه…
تسألين عن جذوره لتمنطقيه، بدل أن تعيشيه.”
قلت لها إن ما تحتاجه أحيانًا ليس تفسير الشعور، بل مجرد الحضور معه.
3 دقائق فقط من السماح له أن “يكون”… وسيمر.
توقفت… ثم قالت لي:
“صح! دايمًا أحاول أفسّر كل شيء… أنمّط، أشرح، أفهم… وما كنت منتبهة إني أهرب.”
في تلك اللحظة، عرفت أننا أمام آلية تحليلية راسخة، تربط الأمان بـ”فهم كل شيء”.
ومنذ وعيها بهذا النمط، بدأنا تدريجيًا بفككه:
تمارين، ممارسات بسيطة، عادات جديدة في الحياة اليومية.
وبعد أسابيع، بدأت تقول:
“أنا اليوم أرتاح أكثر… وأسلم لما لا أفهمه… وأعيش الشعور، حتى لو لم أفسره.”
تنمية التعاطف إن وجدت فيك هذه الآلية:
تذكّر، عزيزي،
أن العقل نعمة عظيمة… لكنه ليس موطنك الوحيد.
الشعور لا يهدد كيانك، بل يوسّعه.
الارتباك ليس ضعفًا، والغموض ليس عدوًا.
في داخلك قلبٌ يريد أن يُسمَع، لا أن يُحلَّل.
والحياة لا تُفهم فقط… بل تُعاش.
اقتراحات للتكامل:
- مارس تمارين جسدية تُعيدك إلى إحساسك، مثل الرقص، التنفس الواعي، المشي ببطء.
- اختر أن تتعرّض للجمال الذي لا يحتاج تفسيرًا: موسيقى، شعر، لوحة، غروب شمس.
- اسأل نفسك مساءً:
“ما الذي شعرت به اليوم؟” دون إجابة تحليلية، فقط إحساس.
- أعد صياغة الأسئلة: بدلًا من “لماذا شعرت هكذا؟” جرّب:
“ماذا تلمس فيّ هذه المشاعر؟”
- اسمح لنفسك أن تقول “لا أعلم” وأن تتواجد في حالة “عدم الفهم” دون قلق.
- شارك في لقاءات أو ورش تعزز المشاركة القلبية لا الذهنية فقط.
وأخيرًا…
عقلك حماك كثيرًا، لكنك الآن تستحق أن تعيش أيضًا بقلبك.
المعرفة وحدها لا تكفي…
فالإنسان لا يُقاس بما يعرف، بل بما يشعر، بما يحتضن، وبقدرته على أن يكون حاضرًا، كاملًا، في اللحظة الآنية حتى دون تفسير.
استجابات