آلية (11) : الروحانية الزائدة

حين يبالغ الإنسان في التمسك بالروحانية، غالبًا لا يكون ذلك نورًا خالصًا، بل درعًا دفاعيًا يخفي وراءه ألمًا لم يُواجه بعد: غضب، جرح قديم، أو صدمة لم تُحتَضن.
تُستبدل المواجهة الحقيقية بخطاب روحي مزيّن بكلمات عن “النور” و”الوعي العالي”.
وهكذا يُدفن الألم تحت بساط من المصطلحات الجذابة المنمقة.
لكن الحقيقة البسيطة هي: لا أحد يعبر الصراط من دون أن يواجه ظلاله ويحتضنها.
كيف تتكوّن هذه الآلية؟
رحلة البحث الروحي قد تبدأ بدافع صادق لفهم الألم، لكنها تتحول أحيانًا إلى مساحة للهروب.
يضغط صوت من الداخل قائلاً: “يجب أن أبقى إيجابيًا دائمًا.”
فتُنفى مشاعر مثل الغضب والحزن، ويُستعان بتفسيرات جاهزة: “هذه كارما، هذا قدَر، هذه الخطة الإلهية.”
ومع الوقت، يتضخم ما يُسمى الأنا الروحية:
“أنا أكثر وعيًا، أما الآخرون فما زالوا في اللاوعي.”
الجانب الظلي
وراء هذا الوجه المضيء، يبقى الغضب مكبوتًا، والجرح صامتًا.
يصف الشخص ظلال الآخرين بأنها “طاقة منخفضة”، بينما يتعامى عن ظله هو.
الخوف العميق هنا: أن يُكشَف على حقيقته، أن يُرى كغير نقي أو غير محبوب.
النموذج الأصيل للروحاني ليس من يهرب إلى النور، بل من يكرّم النور والظلام معًا.
قصة قصيرة
شخص يحدّث الجميع عن التعاطف والتسليم، لكنه في داخله غاضب من والدته.
بعد كل جلسة تأمل، يكرر: “كل شيء مثالي.”
لكن في علاقاته يتصرف بسلبية وعدوانية.
في طفولته، كان حساسًا، يتأثر بالكلمات، ولم يجد من يفهمه.
انسحب إلى ذاته وتمسّك بفكرة “الوعي العالي”.
وفي جلسة علاج، قال: “أنا لا أحزن، فكل شيء وهم.”
فأجابه المعالج: “إن كان وهمًا، فلماذا لا تزال تهرب منه؟”
صمت طويلًا… وفي ذلك الصمت، واجه نفسه لأول مرة.
نحو التكامل
- الروحانية ليست بساطًا يُغطّي الألم، بل مساحة لإظهاره إلى النور.
- الوعي لا يعني تفسير كل شيء، بل قبول الغموض.
- الغضب لا يجعلك أقل روحانية.
- النور لا يكتمل إلا إذا عانق الظل.
هذه الآلية حمتك يومًا، لكنها لا تشفيك.
الشفاء يبدأ حين تجرؤ أن ترى ظلك وتحتضنه.
خطوات عملية
- لا تُبرر، اشعر: حين يأتيك الألم، لا تسرع إلى عبارات مثل “كارما” أو “الخطة الكونية”. اشعر به أولًا.
- واجه مشاعرك المكبوتة: الغضب، الغيرة، العار… ليست عدوك.
- دوّن يومياتك بصدق: اكتب ما لم تقله لأحد.
- ابحث عن مرايا خارجية: علاج، مجموعات عمل داخلي، علاقات صادقة.
- اسأل نفسك بصدق:
- هل ما أقوله نابع من يقظة أم من دفاع؟
- متى أختبئ خلف المصطلحات؟
- أي ألم أبرّره بروحانية مزيفة؟
الختام
عزيزي..
الطريق الروحي ليس هروبًا من الجرح، بل نزولٌ إليه.
ليس إنكارًا للظلام، بل مصالحة معه.
أكثر من يحتاج للنور، هم الأطفال الصغار الذين حبسناهم في ظلال وعينا.
قد تكون للكارما والتناسخ مصداقية ما، لكن الحل الأصدق والأسرع هو: أن نحب أنفسنا كما هي، بجرحها ونورها معًا.
النور الحقيقي… هو الذي يمشي ممسكًا بيد الظل.
شكرا 🤍🙏
شكرا كل الحب