آلية (10) : تمجيد الظلام

آلية تمجيد الظلام هي بنية ذهنية وعاطفية يبني فيها الشخص هويته من خلال التعلّق بألمه وظلاله الداخلية. الحزن، الوحدة، الغضب، وحتى اليأس تُصبح مشاعر مُقدّسة، يُنظر إليها برومانسية، وكأنها الحقيقة الوحيدة في هذا الوجود.
الشخص الذي يعيش هذه البنية لا يريد أن يتخلى عن ألمه، لأن الألم أصبح جزءًا من هويته. هناك اعتقاد خفي يهمس داخله:
“النور زائف… الألم هو الحقيقة.”
كيف ولماذا تتكوّن؟
هذه الآلية غالبًا ما تتشكل بعد فترات طويلة من المعاناة أو الوحدة، حين يفشل الشخص في إيجاد الحب أو الدفء.
بعض الجذور المحتملة:
-
صدمات الطفولة، غياب الشخصيات المُحبة، أو التعرض للأذى من الوالدين.
-
فقدان أو هجر جعل الظلام يبدو أكثر “صدقًا” من النور.
-
التماهي مع نموذج “الحكيم الجريح”: “لقد تألمت كثيرًا، لذلك أنا أعمق وأحكم من الآخرين.”
-
شعور بالإقصاء من المجتمع، يتحول إلى اعتقاد أن “عدم الفهم” الذي يواجهه دليل على وعي أعلى.
هنا يصبح الألم علامة على العمق، والمعاناة تُرى كمرادف للحكمة والمعنى.
الجانب الظلّي
حين يُمجَّد الظلام، تُدفن صفات جوهرية في الداخل:
-
الفرح والخفة.
-
الثقة والأمل.
-
القدرة على الرحمة، والانفتاح على الآخرين.
البقاء في الظلام قد يبدو شجاعة، لكنه في الحقيقة هروب من مسؤولية النور. فالنور يتطلب التخلي عن هوية “الضحية”، ويدعو الإنسان ليولد من جديد.
النماذج التي تبقى في الظل هي: الطفل الداخلي المرح، المبدع الخفيف، المحارب الممتلئ بالأمل، والحكيم المتعافي.
قصة توضيحية
شاب فقد والديه في حادث، بينما كان أقرانه يعيشون طفولة طبيعية. كبر وهو يشعر بالحرمان والاختلاف. وجد في الحداد والظلام “خصوصية”، فبدأ يشارك عبارات سوداء على وسائل التواصل، ويُقدّس رموزًا مثل “ليليث” و”كالي”وغيرها من الشخصيات التي تمثل الجانب الروحي المظلم.
كان يرى أن الفرح سطحية، وأن الألم هو ما يمنح العمق. لم يحب الأشخاص المبتسمين، بل ازدرى بسعادتهم.
لكن في أحد الأيام، وبينما كان يشاهد عرضًا مسرحيًا لأطفال يضحكون من قلوبهم، انفجر باكيًا. لأن الطفل الذي بداخله كان يريد أن يضحك يومًا ما، لكن لم يُسمح له بذلك.
أدرك حينها أنه كان غاضبًا من الله… ليس لأنه لا يريد النور، بل لأنه لم يعرف كيف يمد يده إليه.
إعادة صياغة الوعي
-
ألمك قد يكون بذرتك المقدسة، لكنك كينونتك لست مجرد ألم.
-
الظلام هو التربة التي تُعِدّك للنور، وليست بيتك الأبدي.
-
النور ليس زائفًا، بل صادق ومُشفي.
-
الفرح ليس فراغًا، بل امتلاء جديد.
لقد قادتك آلية تمجيد الظلام إلى حكمة الألم. لكن الآن، بإمكانك أن تعمّق تلك الحكمة بالفرح، بالحب، بالحياة.
من قلب ظلامك، يمكن أن تولد كنور ساطع، وتصبح ضوءًا لمن لا يزالون عالقين فيه.
خطوات من أجل الاندماج والتحرر
-
تواصل مع البهجة بوعي: شاهد أفلام الكوميديا، شارك في ورشات الضحك، اسمح لنفسك بالرقص.
-
مارس إرسال النور إلى ذاتك في التأملات، ولا تخف من ذلك.
-
تمرّن على الانفصال عن هوية الجرح: اكتب “أنا لم أعد أكتفي بحمل ألمي، بل أنوي أن أُحوّله.”
-
راقب الأشخاص البهيجين دون حكم، واسأل نفسك: أي جزء مني يتمنى أن يكون مثلهم؟
-
مجّد الشفاء بدلًا من تمجيد الألم. كَرِّم نفسك التي كبرت عبر الجراح، لكن اسمح لها أن تسير نحو التعافي.
أسئلة للتأمل
-
إن تركت ألمي، من سأكون؟
-
لماذا لا أحتمل الناس الممتلئين بالبهجة؟
-
ما الخوف الكامن تحت مقاومتي للنور؟
-
إن كنت قد حزنت على ميت، فلماذا أحاول العيش معه في محاكاة القبر حتى الآن؟
-
ما مدى شفاء العلاقة التي أنسجها مع الظلام؟ وهل هي علاقة هروب أم وعي؟
رسالة أخيرة
يا عزيزي، الظلام ليس شرًا، إنه جزء من نسيج الوجود. لكنه لم يُخلق لتبقى مقيما فيه إلى الأبد. البقاء فيه بلا معنى.
صدقني… أنت تستحق أن تعيش، أن تُفرَح، أن تختبر النور.
هذه الحياة قصيرة وعابرة، فلا تجعلها كلها رثاء.
آلية تمجيد الظلام هي محطة على طريق الحكمة، لكنها ليست الغاية. الغاية أن تمزج الظلام بالنور، وأن تعيش ككائن متكامل لا يُقصي أي جزء من ذاته.
استجابات